زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

96

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

إن قلت : ما فائدة ذكره بعد قوله : كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ مع أنّه معلوم أنه إنما يوكل من ثمره إذا أثمر ؟ قلت : فائدته نفي توهم توقف إباحة أكله ، على بدوّ صلاحه . 46 - قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً [ الأنعام : 145 ] الآية . أي : لا أجد فيه محرّما ، ممّا كانوا يحرّمونه في الجاهلية إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً إلى آخره ، وإلا ففي القرآن تحريم أشياء أخر غير ذلك ، كالرّبا ، وأكل مال اليتامى ومال الغير بالباطل . 47 - قوله تعالى : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [ الأنعام : 147 ] . فإن قلت : كيف قال في الجواب ذلك ، مع أنّ المحلّ محلّ عقوبة ، فكان الأنسب أن يقال : فقل ربّكم ذو عقوبة شديدة ؟ ! قلت : إنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمته ، في الاجتراء على معصيته ، وذلك أبلغ في التهديد ، معناه : لا تغتروا بسعة رحمته ، فإنه مع ذلك لا يردّ عذابه عنكم . 48 - قوله تعالى : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 148 ] الآية . قال ذلك هنا ، وقال في النحل : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [ النحل : 35 ] . بزيادة مِنْ دُونِهِ مرتين ، وزيادة نَحْنُ ، لأن الإشراك يدلّ على إثبات شريك لا يجوز إثباته ، وعلى تحريم أشياء من دون اللّه ، فلم يحتج إلى مِنْ دُونِهِ فحذف ، وتبعه في الحذف نَحْنُ طردا للتخفيف . بخلاف العبادة فإنها غير مستنكرة ، وإنما المستنكر عبادة شيء مع اللّه ، ولا يدلّ لفظها على تحريم شيء ، كما دلّ عليه " أشرك " فلم يكن بدّ من تقييده بقوله : مِنْ دُونِهِ وناسب استيفاء الكلام فيه زيادة نَحْنُ وظاهر أنّ زيادة ذكر التحريم في آية : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا تصريح بما أفاده لفظ أَشْرَكْنا .